Return to site

أولياء يعيشون وهم الأبوّة


عرفتُ لسنوات طويلة ثلاثاً من الرجال، كان لكل منهمنصيبهم من الزواج والإنجاب . جمعتْ بيننا صلة قرّبتني منهم وعرّفتني على كثير من
دواخل أنفسهم و مواقفهم المهمّة عندما يتعلّق الأمر بأدوارهم السرية. رافقتُهم وهم
يراقبون أولادهم يشبّون عن الطوق ويدخلون معترك الحياة. كانت سيماهم تبدو مثل معظم
الآباء، ولكن واقعاً مريراً كان يختبئ خلف تشابه الألقاب وبريق الأدوار. وبعد أن
استقرّ رأيي على استحقاقهم فقط لدور الوالدية دون دور الأبوّة، حملتني نحوهم مشاعر
شفقة تنميت معها لهم نوال خير قد لا يكون لوصولهم إليه من سبيل حتى يقضوا نحبهم.

إن الصورة الشاعرية التي يحملها الأطفال عن آبائهم لاخيار لهم في تبنيها، فليس لهم من بُدّ، وهم أطفال، إلاّ أن يروا فيمن أنجبوهم
وتولوا مسؤولية تسجيلهم في المدراس والمرافق الصحية معنى يمتد من الجانب القانوي والمادي ليتّصلبالجانب المعنوي والتربوي ليرسم صورة عن أبٍ يضاهون بهم بقية الآباء الذين ملؤا
الدنيا من حولهم. أما من وجهة نظر المراقبين لتلك العلاقة، فإن المجتمع يُمطر أولياء
الأمور صباح مساء بوابل المديح والتبجيل، ويختصّهم بمكانة لا ينالها عازب ولا
متزوج لم يرزق نصيباً من الذرّية. أما من وجهة نظر الآباء، فإن كانوا مثل هؤلاء
الثلاثة الذين ذكرت لكم، فسيغصّون بهذا التمجيد ويتصبّب عرقهم تحت ثيابهم وإن أبدوا تقبّلهم لهونهلوا من طيّبات المكانة التي أعطيتْ لهم. كما أنه إدراك هؤلاء الآباء وأمثالهم قد
أصابه تشوّه شبه دائم حجب عنهم معنى الأبوة الذي لم يختبروه عندما كانوا أطفالاً.
تلك الأبوة التي تجعل صاحبها يتنظر في صالات المستشفيات و يأرقُ في انتظار نتائج
الامتحانات ويبلّل دمع أولاده ثيابه وتفسد براءتهم هندامه وتغربل تقلّباتهم جدول
أعماله دون أن يرى في أي من هذا ما يحمّلهم وِزره.

فأول هؤلاء يتيمالأب والثاني والثالث كانوا يعيشون مع آباء يهمّشون احتياجاتهم بشكل مقصود و صريح
مهما عظُمتْ، فانتهى الحال بهم جميعاً لتحميل مسؤولية القيام بتفقّد أحوالهم لأنفسهم،
تلك الحلقة الجوفاء التي لا رصيد فيها لتوجيه رشيد ولا مكان فيها لرأي سديد، بل
ارتجال في ارتجال و تخبّط على كلّ حال. وعندما نظرتُ لهم نظرةً فاحصة متأملة، وجدتُ
فجوة عميقة بينهم وبين شركاء حياتهم أيضاً تمتد على المستوى المكاني و تتطاول على
المستوى الزمني. فقد حرص كل واحد منهم على إيجاد "مخرجٍ" يجنّبه الاحتكاك
المباشر بتفاصيل حياة شريك حياته والنظر في تفاصيل علاقته به مما أتبعه تجنّبٌ لتفاصيل
العلاقة التربوية بأولاده. هذه الحالة التي لا يصح اعتبارها انفصالاً قانونياً،
تأخذ شكل وضع مؤقت متكرّر، مما يجعل الأولاد تحت رحمة مستوى جودة تنشأة الأم، فإن
كانت هي الأخرى قد فقدت الاتصال بأبويها في طفولتها، فقد أطبقت الحياة الخناق على
هؤلاء الأولاد من الجهتين. وهنا يحسن بالقارئ الكريم أن يرى كيف أن توصيف هذا
الحال يهدف إلى وضع إطار موضوعي لأقصى ما يمكن لطفلٍ أن يناله في مثل هذه الظروف
التي تقهره للالتصاق بأفراد لا يدركون طريقة سويةَ لإدارة احتياجاته الطبيعية
المتغيّرة والمتعدّدة، فهم إما أن يتخلوا وإما أن يستبدّوا في تعاملهم مع طفولته وبذلك
يمارسون تطرفاً لا يُسعف الأولاد على اختبار شكل صحي لعلاقتهم بالآخر مما يُنذر
بهشاشة وتشوش كبيرين لعلاقاتهم المستقبلية عندما يحين خيارهم في الارتباط أو
الإنجاب.

من الحكمة أن ينتبه أولئك الذين تلّظوا بتجارب طفولةٍمريرة، أن بؤس نشأتهم بحاجة لاعتراف صادق يضعه في أولوية الأهداف التي تحتاج للمعالجة
والاستدراك وبذل الوقت والجهد والمال وتغيير الأحوال و قطع بعض حبال الوصال البالية
واستبدالها بأخرى متينة ونافعة قبل توقّع أي عطاء ذي معنى لزوجاتهم قبل أولادهم.
لا تحسبوا أن هؤلاء الثلاثة الذين ذكرتُ بخلاء في دفع مصاريف السكن والملبس
والمأكل والدراسة، لكن سقف عطائهم مرهون بكل ما هو مادي وقانوني، لا أكثر. ولمن خبِر
الأبوة وتفطّن لها، فإن السير في طريقها مسؤولية الأب وليس مسؤولية الابن وإن كان
معاقاً. ومن هنا يمكن أن نبدأ الحديث عن تجربتي في فهم ضرورة التخلي عن التعليق عن
سقطات هؤلاء الأولياء الثلاثة لأنها مرتهنة بتشخيص حالتهم الأصلية بوصفهم "أطفالاً
مضطهدون في سن متقدّمة لديهم زوجات وأولاد"! قد يبدو هذا الوصف قاسياً لكنه
يوفّر علينا الكثير من المقدّمات ويضعنا أمام جوهر المعضلة الاجتماعية التي لا يُسعف
حتى الجانب القضائي إلى يومنا هذا في التعامل بفعالية مع تعقيداتها. فالأسرة
النووية في نظر القانون تظل المرجع الأول للطفل حيث يجب عليه البقاء في حدود ما
يرسمونه من أبعاد لجودة حياته من تعليم ونظام عيش. سيكون من المجدي لنا أن نتفهّم أنالقصور الذي يعاني منه ضحايا العنف الأسري لن يتم تلافيه بفوز ابن في دعوى اشتكى
فيها أباً يضربه أو يقصّر في نفقته. إن الخروج من دائرة العنف يتطلّب الانتقال
لمنظومة أسرية موازية، وهو أمر في غاية الصعوبة إن لم يكن شبه مستحيل.

إن أول فرصة يمكن من خلالها إعادة إعمار حياة الضحاياالذين قاسوا تمرير الإهمال والإساءات لهم من آبائهم تلوح في اللحظة التي يتخلى
الناجون والناجيات طواعيةً عن محاولة "إصلاح" أحوال المسيئين إليهم. بعد
تجاوز الحزن المتولّد من هذه القناعة الأساسية، يُفسحُ المجال نحو السعي لتحقيق
استقلال ماديٍ واجتماعي لإعادة إعمار حياة الناجي والناجية. هذه المرحلة وإن تضاءلت
مواردها وهان حجمها فلا بدّ لها من أن تقوى وتتوسّع مع مرور الأيام. ومن اللافت
للانتباه في هذا المضمار، أن العالم الصغير الذي كان يحاصر الناجين عندما كانوا يفكرون
بعقلية الضحايا سرعان ما يكبر ويكشف عن فرص لا نهاية لها لكسب العيش و اكتساب
الصلات السويّة.

على الناجين والناجيات أن يتذكّروا أن الغرابة التيترافق استقلاليتهم واندماجهم في أوساط صحيةّ جديدة نابع من إلفَتِهم لعهد طويل من
البؤس والشقاء والتردّد كان قد سبق في تجاربهم، لكنه سيجد طريقه نحو النسيان
وسيحتل مكانه في سياق تاريخي لمرحلة كان لا بد لها أن تنتهي لتبدأ مرجلة جديدة
ينبت فيها الزهر ويصفو فيها ما كدّرته تشوّشات اليأس و تشوّهات الإدراك الغابرة.
رحلة الناجين طويلة وصعبة وفيها من المعاني ما يستدعي جوهر صلابة لابد أن تظهر وإن
أخفَتها أمواج التجاوزات أو قطعتْ عنها السبيل تراكمات الإهمال.